إن الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلفه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته، ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله واصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد فحياكم الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً ، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الجسنى وصفاته العلا أن يجمعنا فى هذه الدنيا دائماً وأبدا على طاعته أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار مقامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه...
أحبتى فى الله ... ( لا تحسبوه شراً لكم )
هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم فى هذا اليوم الكريم المبارك وكعادتى حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثى مع حضراتكم فى هذا الموضوع الجريح النازف فى العناصر المحددة التالية:
أولاً: كل شئ يقع فى الكون بقدر وعلم وحكمة.
ثانياً جولة طويلة مع التاريخ.
ثالثاً: والعاقبة للمتقين.
فأعيرونى القلوب والأسماع جيداً والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر
أولاً: كل شئ يقع فى الكون بقدر وعلم وحكمة:
أيها الأحبة! إننى ألمح رياحا عاتية من القنوط واليأس تعصف الآن بكثير من القلوب لضغط هذا الواقع المؤلم، وألمح من بين ثنايا هذه الريح المظلمة بعض القلوب التى تتشكك فى قدرة الله وعلم الله، وحكمة الله فلو امتنع أحد المسلمين أن يعبر بلسانه، فإن قلبه يكاد أن يتقطع أو أن يتمزق حسرات وربما يمنعه حياؤه وخجله من أن يعبر بلسانه، وربما يعبر عن ذلك بلسان حاله فيقول: ألا يسمع الله عز وجل صراخ هؤلاء الطفال الصغار فى القدس ؟! ألا يرى الله عز وجل أحوال هؤلاء المظلومين فى الأقصى؟! ألا يسمع الله عبرات الأقصى وأنينه؟! ألا يرى الله أشلاء تمزق ودماء تسفك فى الشيشان؟! ألا يسمع الله صراخ المقهورين؟! ألا يعلم الله أحوال المعذبين من الموحدين؟!.
أتقول لى بأن الله يرى ويسمع؟ نعم! الله يسمع ويرى ولا يقع شئ فى كونه إلا بقدره، إلا بعلمه، وإلا بحكمته، وإن من وراء قدر الله حكما غابت عنا، حكم أخرى والله لا يغيب عنه شئ فى الأرض ولا فى السماء والله لا يعجل بعجلة أحدا، والله لا يعجل بعجلة أحد وإنما لله تبارك وتعالى وراء كل حدث حكمة، ولله تبارك وتعالى وراء كل ابتلاء حكمة علمها العباد أو لم يعلموها.
فإن العاقل من البشر لا يقول قولاً إلا بحكمة ولا يفعل فعلا إلا بحكمة أفننسب الحكمة لحكماء الأرض من البشر وننسى أن ننسب الحكمة لخالق البشر جميعا جل وعلا؟!! قال الله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (59) سورة الأنعام: قال الله جل وعلا : {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (11) سورة فاطر. قال جل وعلا: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (49) سورة القمر .
والله الذى لا إله غيره لا يحدث شئ فى كون الله إلا بعلمه وقدره وحكمته، فالله سبحانه هو العليم الذى يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، والله جل وعلا هو الحكيم الذى لا تغيب حكمته عن فعل يقع فى كونه ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من أجل ذلك اخترت هذه العنوان : (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم)
ففى كل محنة وابتلاء من الخير ما الله به عليم ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} هل تصدقون الله: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة . الله لا يغيب عنه شئ ونحن لسنا أرحم بالمستضعفين من خالقهم، ولسنا أرحم بالمستذلين من رازقهم كلا ورب الكعبة لكن الله حكماً لا يعلمها إلا هو، لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم- قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لكن الله بحكمته وعدله قد خلق الخلق وجعل فى الكون سننا ربانية لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابى أحدا من الخلق بأى حال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباه من سنن الله فى الكون سنن الابتلاء وسنن التدافع قال تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (251) سورة البقرة وقال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (40) سورة الحـج . قال تعالى: { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ } (4) سورة محمد .
هل تظنون أن رعاة البقر من الأمريكان يعجزون الله؟ هل تظنون أن إخوان القردة والخنازير من اليهود يعجزون الملك القدير؟ لا والله! ولكنها سنة الله فى خلقه ألا وهى سنة التدافع ولكن ليبلو بعضكم ببعض {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (2) سورة الملك.
يا موحدون: ألم تقرؤوا قول الله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (6 - 14) سورة الفجر . الم تقرأ قول الله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (1 ، 5) سورة الفيل لكن متى يتدخل ربنا جل وعلا للنصره إذا نصر العباد دين الله { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } (40) سورة الحـج إن وجد أهل الإيمان الخلاص نصرهم من وعد المؤمنين بالنصرة { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (47) سورة الروم { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } (8) سورة المنافقون {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}(النور: 55).
فالوعد بالنصرة والعزة والاستخلاف والتمكين للمؤمنين فإن وجدتم العزة والنصرة والاستخلاف والتمكين قد رفعوا، فاعلموا بأن القاعدة المؤمنة الخالصة التى تستحق هذا لم توجد فى الأرض، وإن وجد من الأفراد من أتباع الطائفة المنصورة ما وجد فإن رسول الله قد وعد ألا يخلو منهم زمان ولا مكان ولكن لابد للأمة أن تبذل أقصى ما فى طوقها، وأن تستعد بأقصى ما تملك ثم بعد ذلك لا تعلق الأمة قلوبها بالأسباب وإنما تعلق قلوبها بمسبب الأسباب، جل جلاله الذى يقدر وحده على كل شئ.
أين الظالمون؟ وأين التابعون لهم أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم هل أبقى الموت ذا عز لعزته؟ لا والذى خلق الأكوان من عدم
فى الغى؟ بل أين فرعون وهامان وذكرهم فى الورى ظلم وطغيان أو هل نجا منه للسلطان إنسان؟ الكل يفنى فلا إنس ولا جان
فالله وحده قادر على كل شئ ها نحن نرى الفيضانات قد أربكت بريطانيا تلك المملكة التى قبل عنها يوما: المملكة التى لا تغيب عنها الشمس رأينا الفيضانات فى الأيام القليلة الماضية قد أربكت بريطانيا حتى قالت وكالات الأنباء: وكادت الفيضانات أن تعزل بريطانيا عزلاً كاملاً عن العالم، ورأينا ريحا عاتية تحرق آلاف الأفدنة من المزارع فى أمريكا وعجزت الطائرات فى السماء أن تطفئ النيران فى الأرض، ورأينا الزلازل التى فى ثوان معدودة تجعل أسفل الأرض عاليها وأعلى الأرض أسفلها فالله يقدر على كل شئ، ولا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء لكنها السنن التى أودعها كونه تلك السنن التى لا تتبدل ولا تتغير، تلك السنن التى لا تحابى أحداً من الخلق بحال مهما أدعى لنفسه من مقومات المحاباه.
فقد يظن بعض الناس فى الابتلاء والمحن شراً ولكن الله الذى قدر بعلم وحكمه يعلم أن فى هذه المحن وأن فى هذه الفتن وأن فى هذه الابتلاءات خيراً كثيرا للمؤمنين الصابرين الصادقين لو علموا ولو لم يعلموا فإن الله تعالى يقول: { وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (232) سورة البقرة.
وها هو التاريخ بين أيدينا سأستخرج لحضراتكم منه بعض الدروس والعظات والعبر، لأبين لحضراتكم مع كل حدث قول الله تعالى: { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم } (11) سورة النــور وأبدأ بالآية التى اخترت العنوان منها ألا وهى قول الله تعالى فى سورة النور {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (11) سورة النــور لا تحسبوه شراً لكم إفك يدمر القلوب ويحطم الأفئدة هل تعلمون ما هو؟ إنه إفك يرمى به المصطفى فى شرفه وعرضه ارجو أن تتدبر ما أقول.
أقول: إفك يرمى به المصطفى فى شرفه وعرضه وفى من؟ فى عائشة التى أحبها من كل قلبة وأعلن حبه لها قيل: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ اقل: "عائشة"" قيل: من الرجال؟ قال:" أبوها" . قيل : ثم من؟ قال: " ثم عمر" ([1])
يرمى فى عائشة. والحديث فى الصحيحين بطوله لا أريد أن اقف مع الحديث كله تتأخر عائشة خلف الجيش لقصة معلومة فيأتى بها صفوان بن المعطل السلمى- رضى الله عنه- فيرى عائشة رأس النفاق عبد الله بن سلول فيقول: من هذه؟ فى غير رواية الصحيحين: من هذه؟ فيقولون: عائشة أم المؤمنين.. فيقول الخبيث المنافق: زوج نبيكم تبيت مع رجل حتى الصباح ثم جاء يقودها- أو يقود لها الدابة – والله ما نجت منه وما نجا منها...
قولة خبيثة: والله ما نجت منه وما نجا منها، فيرمى الصديقة بنت الصديق بالزنا هكذا- يا إلهى- ويسمع الخبر رسول الله .