الحمد لله والصلاة على اشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد 000
في هذا الزمان الذي ابتعد فيه الناس عن مهنج الله وعن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فاستهوتهم الشيطان وتلاعبت بهم أنفسهم الأمارة بالسوء فأخذوا يتخبطون يمنة ويسرة في أودية الضلال والظلمات فلم يزدهم إلا وهناً وغماً وهذا حال كل من لم يهتدي بهدي الله ويعمر قلبه بطاعة الله ؛ ولعل من أبرز مظاهر هذا البعد والتخبط هو انتشار السحر والشعوذة ؛ ولكي يحذر الناس من الوقوع في هذا المنزلق الذي يقدح أصل العقيدة الإسلامية وقد يخرج الإنسان منها نبين ما يلي :
• هل السحر حقيقي ؟.
السحر حقيقة ولا شك وهو مؤثر حقيقة ولكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن أو يسكن المتحرك هذا خيال وليس حقيقة وانظر إلى قول الله تعالى في قصة السحرة من آل فرعون بقول تعالى (( سحروا أعين الناس واستهربوهم وجاءوا يسحر عظيم )) سحروا أعين الناس حين صار الناس ينتظرون إلى حيال السحرة وعصيهم كأنها ثعابين تمشي كما قال تعالى (( يخيل إليه من سحرهم إنها تسعى )) فالسحر في قلب الأشياء ليس له اثر لكن كونه يؤثر على المسحور فنعم .
فالسحر متحقق الوقوع والوجود ولو لم يكن موجود حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع والوعيد على فعله والعقوبة الدنيوية والأخروية
وكما هو معلوم فان له تأثير فمنه ما يمرض ومنه ما يقتل ومنه ما يأخذ بالعقول أو الإبصار ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه لكن تأثيره هذا بتقدير العزيز الحكيم سبحانه وهذا التقدير أي بما قضاه سبحانه وخلقه حينما ألقى الساحر مالقى وهو القدر الكوني لا القدر الشرعي أي انه لم يأمر به في شرعه.
فالقدر نوعين:
1. القدر الكوني! يشمل ما يرضاه وما يحبه شرعاً وما لا يرضاه في الشرع وما لا يحبه.
2. والقدر الشرعي ! وهو ما يختص بمرضاته سبحانه وتعالى ومحابه ولهذا قال سبحانه ((ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم)).
** السحر لغة : ما خفي ولطف سببه ومنه سمي السَّحر لآخر الليل لأن الأفعال التي تقع فيه تكون خفيه .
أما في الشرع فانه ينقسم إلى قسمين:
الأول : عقد ورقى وقراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين كما يريده لضرر المسحور .
الثاني : أدويه وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله فنجده ينصرف ويميل وهو ما يسمى بالصرف والعطف ويؤثر في بدن الإنسان فيضعفه حتى يهلك وفي تصوره بأنه يتخيل الأشياء على خلاف ماهي عليه وأما تأثيره على العقل فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله.
السحر قسمان
1. شرك وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور .
2. عدوان وهو الثاني الذي يكون بواسطة العقاقير والأدوية ونحوهما .
كيف يدخل السحر في كتاب التوحيد:
لأن من أقسام السحر ما لا يأتي غالباً إلا بالشرك فالشيطان لا يخدم الإنسان غالباً إلا لمصلحة ومعلوم إن مصلحة الشيطان إن يغوي بني ادم ويدخلهم في الشرك والمعاصي.يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر ...) الحديث والموبقات أي المهلكات.
وظاهر كلام النبي صلى الله وعليه وسلم انه لا فرق بين أن يكون ذلك بواسطة الشياطين أو بواسطة الأدوية والعقاقير لأنه إن كان بواسطة الشياطين فالذي لا يأتي إلا بالإشراك بهم فهو داخل في الشرك ؛
وان كان دون ذلك فهو أيضا جرم عظيم لان السحر من أعظم ما يكون في الجناية على بني ادم فهو يفسد على المسحور أمر دينة ودنياه ويقلقه فيصبح كالبهائم بل أسوا من ذلك .
ما هي إيجابياته وسلبياته؟ :
يكفي قول الله سبحانه (( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق )). فإن الله سبحانه لم يحرم السحر إلا لما يحصل بتعلمه من ضرر فلا خير فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة فقد قال الله سبحانه ((مالهُ في الآخرة من خلاق)) يعني من حظ ولا نصيب في جنة الله سبحانه ولا في رضوانه ورحمته ؛ وهذا لا يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة وكفى بدخول الجنة خلاق ولا يدخل الجنة إلا صاحب نفس مؤمنه ثم قال تعالى (( ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون )).
حكم الساحر:
يقول الشيخ حافظ بن احمد الحكمي :
واحكم على الساحر بالتكفير
وحـده القتـل بلا نكـير
كما أتى في الـسنة المصرحـة
مما رواه الترمذي وصحـحه
عن جندب وهـكذا في اثـر
أمر بقتلهم روي عن عـمر
وصح عن حفصة عند مـالك
ما فيه أقوى مرشد للسالك
فحكم السحر تعلمه أو علمه عمل به أو لم يعمل به الكفر بهذا الذنب الذي هو السحر وقد علم إن السحر لا يعمل إلا مع من كفر بالله وهذا معلوم من سبب نزول الآيه كما قال الربيع بن انس وغيره أن اليهود سألوا محمد صلى الله عليه وسلم زمان عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا انزل الله سبحانه وتعالى ما سألوه عنه فيخصهم فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه فانزل الله عز وجل:
(( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)) .
ومعلوم إن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضاً عما أوصى الله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الكفر وهو من عبادة الطاغوت الذي هو أصل الكفر .
علاج السحر
قد يسأل سائل عن النشرة وحكمها :
هي في اللغة من النشر وهو التفريق .
وفي الشرع : حل السحر عن المسحور .
أما حكمها :
فعن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة ؟ فقال (( هي من عمل الشيطان )) رواه احمد بسند جيد وأبو داود وقال (( سئل احمد عنها ؟ فقال ابن مسعود يكره هذا كله ))
وروي عن الحسن ، انه قال ( لا يحل السحر إلا ساحر ))
قال بن القيم (( النشرة :- حل السحر عن المسحور وهي نوعان :-
1. حله بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان وعليه يحمل قول الحسن يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور .
2. النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز .
ما السبيل لحل السحر ؟!!
إذاً لاريب أن حل السحر عن المسحور من باب الدواء والمعالجة وفيه فضل كبير لمن ابتغى به وجه الله لكن في القسم المباح منه، لأن السحر له تأثير على بدن المسحور وعقله ونفسه وضيق الصدر حيث لا يأنس إلا بمن استعطف عليه.
ما العلاج الشرعي للساحر ؟
يقول بن القيم رحمه الله تعالى (( من انفع علاجات السحر الأدوية بل هي أدويته النافعة بالذات فان السحر من تأثير الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقوسها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ ، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه وأيهما غلب الاخر قهره وكان المجم له فالقلب اذا كان ممتلئاً من الله معموراً بذكره وله من التوجهات والدعوات والاذكار والتعوذات ورد لايخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من اعظم الاسباب التي تمنع اصابه السحر له ومن اعظم العلاجات له بعدما يصيبة .
ولا زيادة على ماذكر بن القيم رحمه الله تعالى
للاستزاده الرجوع لـ
* زاد المعاد لابن القيم
* القول المفيد شرح كتاب التوحيد عبدالرحمن بن حسن ال الشيخ
* معارج القبول حافظ الحكمي
* القتاوي المتعلقه بالطب واحكام المرضى مجموعة من العلماء
* الاداب الشرعية لابن مفلح