أيها الإخوة المؤمنون:
إن من حقوقِ أولادنا الرضاعةَ الطبيعيةَ، قال الله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ . ويخطىء بعض الآباء والأمهات حين يلجأون –دون ضرورة- إلى إرضاع أولادهم رضاعةً صناعية، وهذا أمرٌ خطيرٌ على صحةِ الطفلِ وأخلاقهِ وطباعهِ، فينبغي الحذرُ من ذلك إلا في ضرورة. وإذا تجاوزَ الطفلُ فترةَ الرضاعةِ ، فعلينا أن نرفقَ به ونلينَ في معاملته ، لأن ذلك أدعى إلى استجابته لتوجيهات أبويه.
وهكذا كان شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع أبنائه وبناته رضي الله عنهم، فعن عبد الله ابن شداد عن أبيه قال: ((خرجَ علَيْنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العَشِيِّ: الظهرِ أو العصرِ، وهو حاملٌ أحدَ ابنيه: الحسنَ والحسين، فتقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوضعَهُ عند قدمه اليمنى، فسجدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سجدةً أطالها، قال أبي: فرفعتُ رأسي من بين الناس فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساجدٌ، وإذا الغلامُ راكبٌ على ظهره، فعدتُ فسجدتُ، فلما انصرفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال الناسُ: يا رسولَ الله، لقد سجدتَ في صلاتكَ هذه سجدةً ما كنتَ تسجدُها، أفشيءٌ أُمِرْتَ به أو كان يوحى إليك؟ قال: كلُّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهتُ أن أُعْجِلَهُ حتى يقضيَ حاجتَه)) رواه الحاكم. أيها الإخوة الأعزاء:
إن الإسلامَ يحمِّلُ الأبوين مسؤوليةَ التربيةِ لأولادهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) أخرجه البخاري ومسلم.
فكلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة ، وعلى الإيمانِ والتوحيدِ، والحقِ والخيرِ والفضيلةِ، والنفورِ من الباطلِ والشرِ والرذيلةِ ، فلا يولدُ أحدٌ يهودِياً ولا نصرانياً ، ولا فاسقاً ولا منافقاً، إنما يوجهه إلى ذلك أبواه ومربوه، وأهله وجيرانه ، وأصحابه ومعلموه.
وينشأ ناشيءُ الفتيانِ فينـا على ما كـان عوَّده أبوه
وما دان الفتى بـِحِجَىً ولكنْ يعــوِّدهُ التدَيُّنَ أقربوه
معاشرَ الآباء والأمهات:
يجب علينا أن نباشرَ تربيةَ أولادِنا مباشرةً دونَ وساطةٍ، بحيثُ نعلمُ مدخلَهم ومخرجَهم، ونعلمُ أينَ يذهبون؟ ومَنْ يُصاحِبُون ويُصَادِقُون؟ وماذا يفعلون؟ لأن الصغارَ لا يوجدُ لديهم الوعيُ الديني الكاملُ الذي يمنعهم من المنكرات والآثام، ولا توجدُ عندهم العقولُ الكاملةُ التي تمنعهم من الفساد والانحراف.
إن كثيراً من الآباء والأمهات شُغِلُوا عن أبنائهم وبناتهم، فلم تَعُدْ لهم أوقاتٌ يجلسون فيها مع عائلاتهم، يسألون عن أخلاقهم وأحوالهم، ولكنهم يهتمون في الغالب بمن يمرضُ فيداوونه ، وبمن يجوعُ فيشبعونه، وغابَ عنهم أنهم في هذا الاهتمام يخدمون الجسمَ، ويهملون النفسَ والقلبَ والروحَ، والحكيم يقول:
ياخادمَ الجسمِ كمْ تشقى لخدمـتِهِ أتطلـبُ الربحَ مما فيه خسرانُ
أقبلْ على النفسِ واستكملْ فضائلَها فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ
أيها الأحبة في الله:
إن أولادَنا أحوجُ إلى التربيةِ والتزكيةِ والرعايةِ منهم إلى الطعامِ والشرابِ والدواءِ، لأن الطعامَ والشرابَ والدواءَ ينفعُ البدنَ، ويدفعُ عنه الأخطارَ بمشيئة الله تعالى، أما التربيةُ والتزكيةُ فإنها تحفظُ الدينَ والعقلَ والعرضَ والنسلَ والجسمَ والمالَ، وأفضلُ هدية يقدمها الوالدان والمربون لأولادهم هي التربيةُ والتأديب، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ )).أخرجه الترمذي.
وقد كان العلماءُ والخلفاءُ والصالحون يهتمون بذلك أعظمَ الاهتمام، قال عبدُ الملك بن مروان الخليفة الأموي ينصحُ مُؤَدِّبَ ولده: علِّمْهم الصدقَ كما تعلمُهُمُ القرآنَ، واحملْهمْ على الأخلاقِ الجميلةِ، وجالسْ بهم أشرافَ الرجال ، وأهلَ العلم منهم، واضرْبهم على الكذب ، فإن الكذبَ يدعو إلى الفجور، وإن الفجورَ يدعو إلى النار.
أيها الإخوة الكرام:
يجبُ علينا تعهدُ أبنائنا وبناتنا وتوجيهُهم وتعويدُهم على فعلِ الطاعات، وتركِ المنكرات، وتقويةُ الوازع الديني في نفوسهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ )) أخرجه أبو داود والحاكم .
وقد كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم يدَرِّبُون أولادَهم، ويروِّضُونَهم على الصلاةِ والصيامِ والأخلاقِ الحسنةِ، ويعلمونهم سيرةَ النبي صلى الله عليه وسلم العطرةَ، قال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ رض :"كنا نعلِّمُ أولادَنا مَغازيَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كما نُعَلِّمُهُمُ السورةَ من القرآن".
وفي الختام: نصيحتي للآباء والأمهات أن يهتموا بأولادهم تربيةً وتعليماً، وألا يسْلموهم لأناسٍ غيرِ ثقاتٍ ولا طيبين من خدم أو معلمين وبخاصة إذا كانوا كافرين أو فاسقين، وألا يتيحوا لأولادهم فُرَصَ مشاهدةِ الأفلامِ والقنواتِ والمجلاتِ والإنترنت وغيرها من الوسائل التي تدمر الخُلُق والدين، كما ينبغي حفظُهم من أصحابِ السوءِ ورفقاءِ الشر، أهلِ المعاصي والفواحشِ والمنكراتِ والمسكرات والمخدرات وتضييعِ الأخلاقِ والأوقات، لأن الأمة ما وصلت إلى ما وصلت إليه من الذل والهوان وتداعي الأمم عليها إلا بتضييع نشئها والتفريط في أبنائها وبناتها، فاحفظوهم- عباد الله- وأصلحوهم حتى يكونوا صالحين مصلحين هادين مهديين غيرَ ضالين ولا مضلين. رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم لا تَدَعْنا في غَمْرَة ، ولا تَأْخُذْنا على غِرَّة، ولا تجعلْنا من الغافلين.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»منقول«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°· .¸.•°®»