الفصل التام من وظائفهن كمعلمات، ورفض تعيينهن على الرغم من أنهن الأكفأ،

سيان جياشي مع الأطفال قبل فصلها بالعمل بالمدرسة
ما بين الفصل التام من وظائفهن كمعلمات، ورفض تعيينهن على الرغم من أنهن الأكفأ، تواجه مدرسات إقليم كوسوفو مصيرهن بعد أن تلقت الإدارات التعليمية الضوء الأخضر بفصل أو عدم تعيين أي مدرسة ترتدي الحجاب.
"سيهان جاشي" و"مايلندا تشولو بيكو" و"تشفسيرا فازليو" ثلاث كوسوفيات تحدثن عما يعانين، معبرات بذلك عن هموم معلمات كوسوفو المحجبات والتحديات التي تواجههن في مجال التدريس ورؤيتهن للبديل في ظل استمرار هذه الظاهرة.
رغم أنني الأفضل!
"سيهان جاشي" مدرسة وأم لطفلين تذكر أنها ارتدت الحجاب منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها؛ وظلت بحجابها خلال دراستها الثانوية والجامعية دون مشكلة، وتضيف سيهان: "تخرجت العام الماضي 2006، بعد أن حصلت على الدرجات النهائية في كافة المواد؛ وهذا العام 2007 اجتزت بجدارة اختبارًا للتعيين بمدرسة (مصطفى باكيو) الابتدائية بمدينة (بريزرن) جنوب شرق كوسوفو بالقرب من الحدود الألبانية، إلا أنني فوجئت بتعيين زميلة أخرى مكاني، والتي أخبرتني فيما بعد أن اللجنة التي عينتها قالت لها: هذه الوظيفة من حق سيهان لأنها الأفضل، لولا أنها محجبة...".
كما أن "مايلندا تشولو بيكو" زميلتها المدرسة التي تخرجت معها في نفس العام، تقدمت أيضًا بطلب تعيين بإحدى المدارس الابتدائية بنفس المدينة، وتقول مايلندا: "لما كنت الوحيدة من بين المتقدمات بشهادة جامعية؛ حيث كانت الأخريات كلهن بشهادات متوسطة؛ كان أمر تعييني مؤكدًا لا محالة؛ لولا سؤال لجنة الامتحان المفاجئ لي: في حالة قبول تعيينكم بالمدرسة؛ فهل توافقين على خلع الحجاب؟ وحينما جاء ردي بالرفض كان قرار اللجنة المشكلة باختيار أفضل المدرسات هو تعيين أخريات ممن هن أقل مني خبرة وكفاءة".
في حين "تشفسيرا فازليو" كان وضعها مختلفًا، فقد كانت مدرسة منتظمة بالفعل في عملها منذ تخرجها في عام 2004 بمدرسة "عيسى بوليتيني" الابتدائية بقرية "بوسي" إحدى قرى العاصمة "برشتينا" شمال كوسوفو. وظلت تعمل عاما كاملا بتفان وإخلاص.
وتضيف تشفسيرا لـ"إسلام أون لاين.نت": "كان مدير المدرسة يثني على أدائي المتميز أمام زميلاتي ويطلب منهن الإقتداء بي؛ وفي عام 2005 حينما قررت إرضاء ربي بارتداء الحجاب طاعةً لأمره كل شيء تغير، وكان قرار فصلي عن المدرسة جاهزًا؛ لأكون بذلك أول مدرسة تفصل من مدرسة حكومية في كوسوفو بسبب ارتداء الحجاب".
جهود.. بلا ثمرة
في استفسار حول رد فعلهن تجاه منعهن من التدريس ذكرت "سيهان جاشي": "تقدمت بشكوى لمديرية التعليم بمحافظة بريزرن، إلا أن ردها كان سلبيًّا؛ الأمر الذي سيجعلني أتقدم بشكوى أخرى إلى وزارة التعليم، كما سأطلب مقابلة المحافظ نفسه، وإذا لم أسترد حقي في التدريس فسوف أذهب للمحكمة وأطلب شهادة زميلتي التي أخبرتني بكلام اللجنة لها بأنني كنت الأفضل لهذه الوظيفة".
"تشفسيرا فازليو" تؤكد أنه بالإضافة إلى المؤسسات الحكومية الرسمية؛ فقد بذلت جهودًا كبيرة من أجل استرداد حقها عبر مؤسسات المجتمع المدني، والإدارة المدنية التابعة للأمم المتحدة بكوسوفو والتي تدير الإقليم حاليًا بصفة مؤقتة، وتضيف "تشفسيرا": "كان أول باب طرقته باب المشيخة الإسلامية بكوسوفو ثم مجلس حماية حقوق الإنسان وحريته (KMDLNJ) ثم إدارة الأمم المتحدة والتي أرسلت خطاب للإدارة التعليمية بذلك، إلا أن كل هذه الجهود لم تفلح في إعادتي لفصلي بالمدرسة".
وردًا على استفسار لـ"إسلام أون لاين.نت" عن دور منظمة "فوروم مسلماني ـ FMK" في كوسوفو في دعم هؤلاء المعلمات المحجبات في الحصول على حقهن في التعيين مثل غيرهن من المدرسات ذكر "سادات موسى" السكرتير العام للمنظمة: "فوروم مسلماني كمنظمة غير حكومية تأسست في رمضان قبل الماضي عام 2006 تتحمل كواجب عليها مسئولية الدفاع عن هؤلاء المدرسات وغيرهن من الطالبات اللاتي فصلن أيضًا في بداية هذا العام الدراسي، نحن نقف أمام أي هضم لحقوق الأغلبية المسلمة في كوسوفو، وسوف نعمل بكل الطرق المشروعة والقانونية على توصيل أصواتنا إلى كافة المستويات الرسمية والمعنية بهذا الملف".
تعاطف أجنبي
المدرسة الكوسوفية مايلندا
وبينما ذكرت "سيهان" أنها لم تجد أي دعم من مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والمشيخة الإسلامية بكوسوفو في قضيتها؛ اتفقت كل من مايلندا وتشفسيرا أنهما وجدا تعاطفًا معنويًا إلا أنه لم يثمر عن نتيجة فعلية على أرض الواقع.
وتشير "تشفسيرا" إلى حقيقة لها دلالتها: وجدت تعاطفًا من بعض الموظفين الأوروبيين في هذه المؤسسات المدنية تجاه قضيتنا أكثر من تعاطف الموظفين المحليين من أبناء كوسوفو أنفسهم، كما حدث معي في مؤسسة "محامي الشعب" حيث تعاطف معي رئيس المؤسسة الأجنبي ووضع قضية فصلي من المدرسة على جدول أعمال المؤسسة، إلا أن تغييره وحلول كوسوفي مسلم مكانه هو "حلمي يشاري" أدى إلى إلغاء الأخير هذا الملف من أجندة المؤسسة بزعم أنهم لن يستطيعوا فعل شيء تجاه هذه المسألة.
وفي استفسار عن مدى انتشار ظاهرة منع المحجبات من العمل في كوسوفو، وعما إذا كانت تصل إلى مجالات أخرى، ترى كل من سيهان ومايلندا أن هذه الظاهرة منحصرة في مجال التدريس فقط، في حين ترى تشفسيرا أن هذه الظاهرة منتشرة خارج المجال التعليمي في المؤسسات الحكومية الأخرى باستثناء المجال الطبي حيث يسمح للطبيبات المحجبات بممارسة عملهن بحرية تامة داخل المستشفيات.
وعن العدد الحقيقي للمدرسات اللاتي تم فصلهن أو عدم الموافقة على تعيينهن بالمدارس الحكومية في كوسوفو أشار الجميع إلى عدم وجود إحصائية دقيقة لهذا العدد؛ وإن كانت "جاشي" أشارت إلى أن هذه الظاهرة باتت تتكرر كل عام سواء مع المدرسات أو حتى طالبات الثانوي في مدن مختلفة من كوسوفو.
الحل البديل
وعن البديل المتاح لهؤلاء المعلمات الممنوعات من التدريس بالمدارس الحكومية أكدت سيهان أنها سوف تستمر حتى النهاية تدافع عن حقها وأضافت: "وإذا لم أستطع الوصول إليه الآن؛ فأنا على يقين بأنني سوف أصل إليه يومًا ما، وإلى أن يتم هذا فالبديل الذي أفكر فيه حاليًا هو فتح مدرسة ابتدائية خاصة مع زميلاتي من المدرسات المحجبات الممنوعات من التعيين لنقوم بالتدريس فيها بالإضافة إلى غيرنا من المدرسات". وتشاركها مايلندا نفس الرأي إلا أنها تضيف: "هذا في حالة إذا سمحت لنا وزارة التعليم بفتح مدرسة خاصة!".
وحول ما يتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية بأن ظاهرة انتشار الحجاب قد تضر بمستقبل إقليم كوسوفو والذي ينتظر أن يتخذ المجتمع الدولي قرارًا بحسم مسألة انفصاله رسميًّا عن صربيا واستقلاله في دولة جديدة معترف بها دوليًا تعتقد سيهان: "أن من يردد هذه الأقاويل جاهل بطبيعة الغرب الذي يحترم حرية الإنسان ويقدس القانون". وتضيف: "إقليم كوسوفو ملزم بتطبيق المعايير الدولية (التي وضعها المجتمع الدولي كشرط مسبق لمناقشة مستقبل الإقليم) وإثبات للعالم أن كوسوفو مجتمع ديمقراطي يحترم فيه القانون". وتشير إلى أنه "حاليًا في كوسوفو لا يوجد أي قانون يمنع المعلمات من التدريس بالمدارس وهن محجبات".
في حين يؤكد موسى أن "الخطر الذي يتهدد كوسوفو ليس الحجاب؛ وإنما هؤلاء الأفراد المنتشرون في المؤسسات الحكومية والذين ما زالوا يسيرون بعقلية الشيوعية التي حكمت كوسوفو لأكثر من نصف قرن؛ ولا يستطيعون التعايش مع الوضع الجديد في الإقليم والذي نص عليه القانون الحالي باحترام كافة الحريات القومية والدينية والثقافية والإنسانية لجميع شعب كوسوفو".