
احتفلت المجلة المصرية الأكثر شهرة في مصر والعالم العربي قبل ايام بعيد ميلادها الثاني والثمانين، ولا تزال الآراء حول المجلة, ومن ثم الصحيفة التي تحمل نفس الاسم، وتصنيفها, يشغل بال عدد كبير من الإعلاميين والصحفيين وأصحاب الأقلام الناقدة في مصر والدول العربية، بحيث تختلف الآراء حول كونها "صفراء" او "إخبارية".. مقربة من الكرسي الحاكم أم أنها مجلة الشعب.. وتبقى روز اليوسف، اليوم، بعد أكثر من ثمانين عاما من الانتشار، إحدى المجلات الأكثر شهرة..
لروز اليوسف قصة بدأت مع امراة طموحة، قوية، وضعت الهدف وحققته ليخلد حتى بعد ان فني جسدها وغادر شخصها هذه الحياة. لماذا اطلق اسم روز اليوسف على المجلة، ومن هي هذه المراة الوردة وما هي قصتها؟
ولدت روز اليوسف التي تسمت بعد ذلك فاطمة اليوسف في لبنان سنة ,1888 وأصبحت يتيمة وهي في السابعة من عمرها. ورحلت إلى مصر وهي في الرابعة عشرة حيث بدأت حياتها كممثلة ناشئة في فرقة "عزيز عيد" المسرحية، وتعلمت في تلك الفترة القراءة والكتابة والتمثيل، وأصبحت الممثلة الأولى في مصر، وأطلق عليها النقاد "سارة برنار الشرق".
هي لبنانية من أصل تركي، ولدت في بيروت يتيمة الأم في أسرة مسلمة. أبوها محي الدين اليوسف - تركي الأصل - كان تاجرا اضطر للسفر من بيروت وترك ابنته التي توفيت أمها عقب ولادتها في رعاية أسرة مسيحية كانت تدللها باسم روز. وعندما انقطعت أخبار الأب الذي سافر, تبنت العائلة الطفلة الصغيرة واخفت عنها حقيقة عائلتها. غير أنها علمت بالحقيقة عندما أكملت عامها العاشر عندما رحبت الأسرة التي عاشت بينها بسفرها مع صديق للأسرة إلى أمريكا. وقتها أبدت روز الصغيرة اندهاشها من سهولة تفريط أسرتها فيها بهذا الشكل.
فقررت مربيتها أن تطلعها على حقيقة أصلها وان تخبرها أنها مسلمة وليست مسيحية وان اسمها هو فاطمة وليس روز. فوافقت روز ظاهريا على السفر مع صديق العائلة، وفى الإسكندرية التي رست فيها السفينة التي كانا يركبانها غافلته روز وهبطت في المدينة المصرية لتتعرف على المخرج المسرحي اسكندر فرح والذي علمها التمثيل واحتضنها مع أسرته. ومن الإسكندرية إلى القاهرة التي وصلت إليها روز وعملت بفرقها المسرحية واشتهرت بأداء دور "غادة الكاميليا" تزوجت من الممثل المصري محمد عبد القدوس وأنجبت إحسان عبد القدوس الذي عمل معها فيما بعد في المجلة التي حملت اسمها وأنشأتها هي بعد أن اعتزلت التمثيل ولاقت نجاحا كبيرا لا يزال يتردد صداه حتى اليوم.
تزوجت "فاطمة اليوسف" ثلاث مرات كانت أولها من المهندس الفنان محمد عبد القدوس، وأعلنت بعدها الإسلام، وتسمّت بفاطمة اسمها الأصلي بدلا من "روز" الاسم المسيحي لها، ثم تزوجت من المسرحي زكي طليمات، ثم من المحامي قاسم أمين حفيد قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة.
زواجها من الفنان محمد عبد القدوس كانت نتيجته ابنها البكر "إحسان" الذي أصبح فيما بعد من كبار أدباء مصر والعالم العربي. وبعد نجاحاتها الفنية على مدى أربعة عشر عاما قررت أن تعتزل التمثيل وتتجه إلى الصحافة، فأصدرت في 26 من تشرين الأول 1925 مجلة فنية اسمها "روز اليوسف" انتشرت انتشارا واسعا، ثم ما لبث أن تحولت هذه المجلة إلى السياسة، وكان أول تحقيق صحفي لها أثناء محاكمة محمود فهمي النقراشي وأحمد ماهر في إحدى القضايا السياسية.
بيت للرسامين مدرسة للصحافيين..
قلّما يوجد رسام مصري لم يمر بمدرسة روز اليوسف، فقد كانت طوال سنواتها الأولى معملا لتخريج الرسامين، ويكفي أن نذكر منهم صلاح جاهين، عبد السميع، صاروخان، جورج بهجوري، زهدي، جمال كامل، ولا تزال لوحاتهم معلقة على جدران القصر الذي تكمن فيه المجلة في منتصف شارع قصر العيني بوسط القاهرة.
أما كتّابها فهم أيضاً أشهر كتّاب في مصر، ومنهم إحسان عبد القدوس، أحمد حمروش، أحمد بهاء الدين، كامل زهيري، عبد الرحمن الشرقاوي، فتحي غانم، صلاح حافظ ومرسي الشافعي وغيرهم، وكتّابها في الماضي كانوا من عيّنة الدكتور مصطفى محمود وعباس محمود العقاد وعادل حمودة ومحمد حسنين هيكل ومحمد التابعي كما أنها أخرجت أبناءً اختلفوا مع سياسة مديريها فأنشئوا جرائدهم الخاصة بهم مثل عادل حمودة وإبراهيم عيسى ووائل الأبراشي وعمرو خفاقي ومحمود سعد والذين لا تخلو أعمالهم من رائحة روز اليوسف.
من هو حزب "روز اليوسف"؟
للوهلة الأولى يبدو اسم "حزب روز اليوسف" وكأنه حركة لتحرير النساء او مناصرتهن، او ربما حزبا سياسيا لم يصل إلى البرلمان المصري. لكن القصة في الواقع تختلف: تقاربت فاطمة اليوسف مع حزب الوفد الذي قام بضمها إليه هي ومجلتها، وتعرض حزب الوفد في تلك الفترة لحملة انتقادات عنيفة وأطلق عليه خصومه "حزب روز اليوسف" فرد عليهم النحاس باشا بأن الوفد يفخر بأن ينتسب إلى "روز اليوسف". لم تدم العلاقة الوطيدة بين فاطمة اليوسف وحزب الوفد، فسرعان ما تحولت إلى عداء شديد، بعد إصرارها على انتقاد رئيس الوزراء نسيم باشا ومطالبته بعودة دستور 1923 وإجراء انتخابات نزيهة، فما كان من الوفد إلا أن فصل فاطمة ومجلتها من الحزب.
أنشأت صحيفة روز اليوسف اليومية وأصدرت أول أعدادها في 25 من آذار 1935، وقد رفض باعة الصحف بيعها بعد أزمة مؤسستها مع حزب الوفد فتراكمت الديون عليها وتعرضت لأزمة مالية خانقة. نجحت روز اليوسف في حملة للتأثير على حكومة نسيم باشا واستقالت هذه الحكومة، وعندما عاد الوفد إلى الوزارة من جديد كان أول قرار اتخذه هو إلغاء ترخيص صحيفة "روز اليوسف" اليومية، فكانت الحكومة والحزب ضد فاطمة اليوسف.
من كتاب الذكريات..
تروي فاطمة اليوسف في سيرتها الذاتية "ذكريات" قصة إصدار المجلة: "بنيت فكرة إصدار المجلة في محل حلواني اسمه "كساب" كان يوجد في المكان الذي تشغله الآن سينما "ديانا"، وكنت جالسة ساعة العصر مع بعض الأصدقاء وتطرّق الحديث لحاجتنا الشديدة إلى صحافة فنية محترمة وخطرت لي فكرة.
وقفت عندها برهة قصيرة ثم قلت للزملاء لماذا لا أصدر مجلة؟، ثم قلت لماذا لا نسميها روز اليوسف فهذا هو الاسم الذي اشتهرت به وعرفه الناس وهو اسم عزيز علي وأود أن أضعه على عمل كبير أقدمه إلى هؤلاء الناس، وفي الصباح التالي ذهبت إلى مكتب إبراهيم خليل بجريدة البلاغ لأملأ استمارة رسمية لطلب رخصة لإصدار مجلة خاصة، واتصلت بأول المحررين وهو الصديق محمد التابعي".
كانت روز في ذلك الوقت تسكن في شارع جلال، في بيت يملكه الشاعر احمد شوقي، فقررت اتخاذه مقراً مؤقتاً للمجلة. لكن القصر الذي تتخذه المجلة الآن مقراً مؤقتاً لها، يختلف عن ذلك المقر القديم بالتأكيد. هذا القصر كان يملكه أحد الباشاوات ثم اجّره لوزارة التربية والتعليم وظل معها عشرات السنين كمدرسة قبل أن تشتريه وتحوله إلى مقر جديد للمجلة.
أصدرت روز- فاطمة اليوسف مجلة "صباح الخير" سنة 1956، وكتابا بمذكراتها يحمل اسم "ذكريات". توفيت فاطمة اليوسف في 10 من نيسان 1958 عن عمر يناهز 67 عاما. وقد اعلن التلفزيون المصري في ختام السنة الماضية عن اختيار النجمة السورية سلاف فواخرجي لتلعب دور روز- فاطمة اليوسف في مسلسل خاص يتمحور حول حياة الصحفية- الكاتبة- الممثلة الابرز في مصر.