• العوضي: قفل القنوات سيئة الذكر والفعل، هو العلاج النهائي لكنه علاج جزئي ويجب ان نعرف المنهج التربوي السليم في مثل هذا الخلل.
فالإسلام ليس ديناً علاجياً فحسب، وانما هو دين وقائي يضع التدابير الوقائية، أي يمنع كل وسيلة تدفع إلى الشر وتحرض على الفجور، ثم يربي الناس على الإيمان والخلق ثم يعطي موازين للخطأ والصواب ويحدد ما هو حرام وفاحش وما هو نظيف وحلال، ويحارب الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، والعلاج الأخير في الحدود يأتي بعد ان يستنفد كل تلك المراحل. لكن يا جماعة: نملأ الجو بالجراثيم الراقصة ونغرق الشوارع والمنتزهات والمطاعم والمجمعات التجارية ونحاصر الشباب بالصور العارية الثابتة والمتحركة وعلى مدار الساعة وبعبقرية شيطانية، ثم نقول لهم أغلقوا التلفاز أو أغمضوا عيونكم! هذا ضحك على الذقون... لأن هذه الدعوة تقوم على امكان تحقيق الغايات الإنسانية النبيلة دون الاستعانة بشيء من وسائلها وهذا ما لا يقره أي عالم تربوي أو مفكر فلسفي، فضلا عن نهج القرآن الكريم الذي يحرم الوسائل الفاسدة، لكي لا تؤدي إلى المقاصد الفاجرة لذا نجد الآيات دائما تدعونا إلى عدم الاقتراب من مال اليتيم ومن الفواحش، لأن الاقتراب يمهد للسقوط! وها أنتم ترون بأم أعينكم كيف سقط الفن بشهادة أهله وكبار أقطابه.
• عمرو دياب: هناك حاجة «منزعج منها» تخص الدعاة والمشايخ كنت في الطيارة وجلس بالقرب مني أحد الدعاة ورأيته وجه نقداً لدعاة آخرين فحزنت ان يكون التنافس بين الشيوخ زي التنافس بين الفنانين، المفروض ان الشيوخ يحبو الخير للناس ولا يغرقوا بالتفاصيل ويعطونا الاولويات وميتحولوش إلى متنافسين على الجمهور مثل الأهلي والزمالك، وشخصيا دون مجاملة أنا قدوتي الشيخ محمد متولي الشعراوي العالم المربي، ولا أخفيك أنا معجب بطرحك وثقافتك الواسعة وأسلوبك الجميل.
• العوضي: علينا ان ندرك ان الدعاة بشر ومن حق أي أحد ان يبدي ملاحظاته على أي طرح ما دام ظهر للعلن وللجمهور سواء كان طرحا فنياً شرعياً تربوياً سياسياً أو اجتماعياً ويبقى النضج والوعي والحدة والعقلانية تتفاوت من شخص لآخر، واعلم ان لا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم... فالكل تحت مجهر النقد.
• عمرو دياب: تصور إذا كان الناس يكادون يقدسون المطرب من شدة اعجابهم به، بعض الناس جعلوا لي مذهبا فنيا وبعض البنات رفضن الزواج لتعلقهم بشخصي، ورأيت صوري في بيوت الناس في أوروبا وغيرها.. أنا مصدوم من هذا التعلق.
• العوضي: علشان تدرك أثر الاغواء الإعلامي وبساطة الناس وان الحل ليس بإغلاق التلفزيون، إنما بتصحيح خطأ عام وبتغير الاهداف والسلوك والرؤى والتوبة والثورة على الذات والرجوع لمصدر الأمن والايمان. إذا الواقع لا ينبغي ان يعمينا عن الحق والطرح التربوي الكامل الأصيل.
• عمرو دياب: أحب أن اناقش قناعة كونتها لدي عن مفهوم العبادة، انني أرى ان الذي يكثر من العبادات وهو يطمع في الجنة وما فيها من ملذات وأطايب وحور وانهار... هذا في رأيي انسان طماع لا يحركه لطاعة الله إلا المصلحة... أنا أفهم ان الله ينبغي ان نعبده لأننا نحبه فالحب هو أهم شيء في التعامل مع الله. وبعض الشيوخ يخوّفون الناس من العذاب وبعض البرامج الدينية لا تسمع ترانيمها ودعاءها إلا مع صور البراكين والنيران وهذا شيء مسيء للدين ومنفر.
• العوضي: ما من إنسان منا إلا ولديه ثلاث عواطف رئيسية: 1 - عواطف دافعة تحثه على العمل كالفرح والأمل والرغبة. 2 - وعواطف رادعة تحضه من الاندفاع كالخوف والرهبة والاشفاق. 3 - وعواطف مُمَجدة كالاعجاب والحب والتقديس. والانسان السوي المتوازن هو الذي يجمع هذه العواطف في شخصيته بمزيج متكافئ. وطغيان عاطفة واحدة بشكل متطرف على أخواتها من العواطف الثلاث يحدث الخلل في الشخصية. لذا نعبدالله كما في الآيات القرآنية حباً وخوفاً وطمعاً. صحيح الحب هو الأصل، ولكن اذا دققت الفهم لوجدت ان الخوف كما يقول ابن القيم ينتهي إلى الحب، مثلا يا عمرو دياب أنت تخاف من المرض لأنك تحب الصحة وتخاف من الهزيمة لأنك تحب النصر وتخاف من الفقر لأنك تحب الغنى، وتخاف من النار لأنك تحب الجنة... فهما متلازمان ولو كان الحب حقيقياً عند أهل الفن لاعتزل 95 في المئة منهم عن أعمالهم المناقضة لحب الله.
وهنا قلت: مثال يا عمرو دياب: الواحد منا يحب زوجته لذا فهو يخاف أن تراه مع امرأة غيرها فتتركه... أليس مبعث هذا الخوف هو حبه لها؟!قال العوضي: وبما أنك تحب الشعراوي فاسمع جوابه، يقول: «من الناس أصناف، والله يراعي تفاوت مستويات عباده، فهناك من يعبد الله وهو يفكر في النعيم المادي والعطاء العظيم في الجنة، وهذا شيء مشروع ونزعة بشرية موجودة، ولكن هناك صنف آخر يعبد الله وفكره متجه إلى رضا الله وحبه والحياء منه والخوف من عقابه أكثر من تفكيره بعطائه المادي... فكما يقول الشعراوي: «هناك من تشغله النعمة أثناء عباداته وهناك من ينشغل بالمنعم سبحانه». وأقول: «المسألة متداخلة ومتكاملة».
• عمرو دياب: ألا تلاحظ ان الناس بتعبد ربنا لكن أعماله خارج الصلاة تناقض العبادة ذاتها... ياكلوا حرام وياكلوا مال النبي كمان؟!
• العوضي: تعرف محمد قطب المفكر المصري؟
عمرو دياب: طبعاً أخو سيد قطب، العوضي: عنده كتاب اسمه «مفاهيم ينبغي ان تصحح»، ذكر ان المفهوم الثاني الذي وقع فيه الخلل عند المسلمين هو مفهوم العبادة على مستويات:
أولاً: فصل العبادة عن العمل فصار الإنسان في المسجد شيئا وفي العمل شيئاً آخر لأنه يجهل ان العمل عبادة.
وثانياً: فصل العبادة عن الأخلاق فنجد المسلم حريصاً على الشعائر التعبدية في أوقاتها وأماكنها ولكن أخلاقه مع العالم «زفت»، وثالثاً: فصل العبادة عن المتعة فتجد الصائمين في نهار رمضان هم الذين يحيون الخيام الرمضانية الماجنة ليلاً.
وكل هذا لأن العبادة فرغت من محتواها ومقتضياتها ولوازمها وتحولت إلى عادة أو واجب وقتي ثقيل كأنه توقيع كرت الوظيفة والدوام... أي مجرد أداء الواجب!!
في نهاية اللقاء جلس عمرو دياب مع العوضي على طاولة صغيرة منفردين عن الجميع ولا ندري بماذا تصارحا وماذا دار بينهما وجهاً لوجه،
وهذا ما رفض العوضي الإفصاح عنه حين عودتنا بالسيارة.