لماذا يكره العالم أمريكا؟
المؤلف ضياء الدين سردار و ميريل وين ديفيز
ترجمة معين الإمام
الناشر مكتبة العبيكان/الطبعةالعربية الأولى 1426 هـ
الصفحات 434 من القطع المتوسط ليس من المستغرب أن يكون هذا الكتاب أحد أكثر الكتب مبيعاً، ويترجم إلى أكثر من (22) لغة في العالم, فهو جاء في وقت يتساءل فيه الأمريكييون ويقولون: لماذا يكرهوننا؟
فبعد أحداث 11 سبتمر أخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن, يظهر على شاشات التلفاز ليتساءل متصنّعاً البراءة: "لماذا يكرهوننا؟"، ويصمت للحظات، ثم يأتي بعقليّته الخارقة للعادة، ويجيب عن التساؤل الذي طرحه ويقول: إنهم يكرهون حضارتنا وديموقراطيتنا وشعبنا .... الخ. ويبدأ بعدها الرئيس بسرد الصفات العظيمة للجنس الأنجلوسكسوني الذي بسببها يقوم " المتخلّفون الإرهابيون" بالعمليات المسلحة، دون أن يترك المجال للمفكرين والمنصفين بدراسة الظاهرة.
وكان هذا العذر بالإضافة لأسلحة الدمار الشامل عذراً منطقياً لغزو العراق؛ فلقد اقتنع قطاع كبير من الشعب الأمريكي بهذا المسوّغ. لكن مع بداية عمليات المقاومة العراقية واستمرارها على الرغم من تنفيذ انتخابات "ديموقراطية" على المقاس الأمريكي. فأدت ظاهرة المقاومة إلى ما بعد الديموقراطية لتساؤل قطاع من الشعب الأمريكي عن السبب الحقيقي لكره العالم للأمريكيين, فأتى هذا الكتاب من رحم هذا السؤال؛ محاولاً تفسير ظاهرة الكره العالمي لأمريكا, ليس في العالم الإسلامي فقط, بل على الصعيد العالمي, فهناك الصين وأمريكا اللاتينية بل وجزء من شعوب أوروبا.
وما يميز المؤلفين أنهم اتخذوا طريقة جديدة في دراسة السياسة الأمريكية؛ فهم لم يسلكوا طريق المؤيدين لسياسة المحافظين الجدد, بالتأييد الأعمى لهم, ولم يتجهوا للفريق الآخر بالنقد دون حقائق علمية, بل قاما بقراءة السياسة الأمريكية في الاقتصاد والزراعة وحقوق الإنسان ...الخ, ثم ذِكْر نتائجها، وختمها بالدراسات والاستفتاءات على سكان تلك المناطق والدول.
بدأ الكتاب بانتقاد السياسة الإعلامية الموجودة في أمريكا. فكيف أنها تهاجم الناس وتصنفهم مباشرة دون أي رؤية موضوعية!! وكيف يصور إعلامهم أن المسلم و العربي ليس سوى إنسان همجيّ متخلّف يعشق القتل والتخريب؟
موقف اليمين برمته أوجزتْه بأسلوب متقن مقالة مطولة كتبها المؤرخ العسكري (فيكتور ديفيز هانسون) في مجلة (سيتي جورنال) "إنهم يكرهوننا؛ لأن ثقافتهم متخلفة وفاسدة، ولأنهم يحسدون قوّتنا وهيبتنا ونفوذنا"، ويضيف قائلاً: "نحن أقوياء عسكرياً، والعالم العربي ضعيف ذليل, لا بسبب تفوّقنا في الشجاعة والعدد وحاصل الذكاء، أو نتيجة وجود كمية أكبر من الخامات والمعادن النفيسة لدينا أو الجو الأنسب, بل بسبب ثقافتنا, وحين يتعلق الأمر بالحرب فإن ملياراً من البشر ونفط العالم كله لا يفيدان من الناحية العسكرية مثل معهد (ماساتشوستس) للتكنلوجيا أو مجلس النواب".
والمشكلة الأخرى في الإعلام الأمريكي, هي محاربة ومهاجمة كل من لا يتفق مع النظرية الأمريكية في تفسير الهجمات ونظرتها لبقية العالم.
فمن يحاول أن يذكر السبب الحقيقي لهجمات سبتمبر، وهي السياسة الأمريكية تجاه دول الشرق الأوسط, يكون وقتها حسب الإعلام الأمريكي متعاطفاً بل وإرهابياً وإنساناً يفتقر إلى الحس الوطني, فعلى سبيل المثال تعرضت المحاضرة في الآداب الكلاسيكية في جامعة كمبردج "إن الولايات المتحدة نالت جزاء ما فعلت, فالمستأسدون في العالم, حتى وإن كانت قلوبهم في مكانها الصحيح, لا بد أن يدفعوا الثمن في نهاية المطاف".
وقد لقيت هذه المقالة هجوماً واسعاً وشديداً في الصحافتين الأمريكية والبريطانية.
وذكر كيف أن الإعلام الأمريكي رسم نظرية محددة ينظر بها الأمريكيون تجاه العرب, فهم ليسوا سوى مجموعة من البدو المتخلّفين الذين يملكون الكثير من المال، ولكن لايعرفون كيف يتصرفون به، وأنهم أناس وحشيّون همجيّون لا يعرفون شيئاً غير القتل. هذه الرؤية الإعلامية الأمريكية اتضحت آثارها أثناء وقوع عمليات سبتمبر, فلقد خطر ببال الأمريكيين والعالم الغربي عموماً أثناء العملية مباشرة أن من قاموا بها هم (عرب – مسلمون – أصوليون – تكفيريون) وقبل أن تظهر أي نتائج تحقيق في العملية.
بعدما أفرد الكاتبان الفصلين الأول و الثاني للحديث عن الإعلام الأمريكي, فقاما في الفصل الثالث بالحديث عن كيفية سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي, فهي لم تكتفِ بالاستيلاء على البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الدولية فقط، بل قامت بأعمال يجعل من أمريكا تقتات على حساب الدول الفقيرة والنامية ذكرها في سبع فقرات, نوجزها هنا باختصار شديد:
1- الولايات المتحدة استفادت من عملتها المهيمنة على العالم, وهذا يعني استفادتها من أرباح سك العملة (الفرق بين القيمة الاسمية للعملة وتكاليف إنتاجها) أي النقود المجانية, من أرباح إصدار الدولار لاستخدامه كنقد سائل في مختلف أرجاء العالم, وظهرت نتائجها جلياً في عهد (ريغان/تاتشر) أي التحكم بالموارد المالية, وذلك برفع معدلات الفائدة إلى مستويات قياسية، الأمر الذي عجّل بانهيار المكسيك مالياً عندما أوعزت الولايات المتحدة إلى النخب المسيطرة على الاقتصاد بسحب الأموال من المكسيك إلى الولايات المتحدة بعد رفع الفائدة. وهذا له نتائج وخيمة, فلا يتيح للدولة سوى خيارين أحلاهما مرُّ, الأول أن تسمح بتعويم عملتها، وهو خيار صعب في وجه قوة الدولار واليورو والين أو ربطها بالدولار أي "دولرة" عملتها, وهو خيار مخفق أدّى إلى عواقب مروّعة بالنسبة للأرجنتين مثلاً, عندما هربت رؤوس الأموال الأمريكية.
2- تحرم الولايات المتحدة ثلثي سكان العالم من التحكم الديموقراطي بمصائرهم الاقتصادية. وليس لدى معظم دول العالم أي تأثير في قرارات صندوق النقد الدولي, أما السياسيات المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على وجه الخصوص فتمهّد السبيل للملكية الأجنبية والهيمنة على الاقتصاد, لا سيما في القطاعين: التصنيعي والمالي, مثلما حدث في جنوب شرق آسيا بعد الأزمة الاقتصادية؛ إذ اشتُرط على تايلند و كوريا الجنوبية السماح بالمزيد من الملكية الأجنبية لاقتصادها.
3- (تحرير التجارة) على المقاس الأمريكي، يعني حرية وصول الشركات الأمريكية التجارية والمتعددة الجنسيات إلى دول العالم. وتبعاً "لاتفاقية الزراعة" ضمن إطار منظمة التجارة الدولية, وبرامج "الإصلاح الهيكلي" المفروضة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين, يتوجب على الدول النامية فتح أسواقها للمنتجات الزراعية الأمريكية الرخيصة، وتخفيض التعريف الجمركي, وأن تقلل الدول الفقيرة من دعمها للمزارعين المحليين. وبعدُ فقد أدت هذه القرارات حسب منظمة "أوكسفام" الأوربية على سبيل المثال: أنها فاقمت من حدة الفقر في الأرياف، ودمّرت مصدر رزق المزارعين الصغار, في حين مكّنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من تصدير بضائعها بأسعار رخيصة إلى الدول النامية؛ حيث أفلس المزارعون بعد أن فقدوا قدرتهم على المنافسة.
4- وضعت الولايات المتحدة دول العالم الثالث بين فكّي كماشة تقليدية: فمن جهة مهدت السبيل للأعمال التجارية المعتمدة على تقنيتها للدخول بشكل مباشر واقتناص أسواق العالم, ومن جهة أخرى عملت على كبح الجهود التي تبذلها الدول النامية لتعزيز ودعم منتجاتها وصادراتها, وحظرها في الأسواق الأمريكية.
5- تعمل الولايات المتحدة بشكل منهجي على تقويض جهود ومساعي الدول الأقل تطوراً لمحاربة الفقر وإطعام سكانها. فقد فرضت رسوماً جمركية ضخمة على المحاصيل الزراعية مثل الأرز والسكر, وعلى سبيل المثال فرضت على الفول السوداني ما نسبته 100%، مما تسبب في نتائج كارثية تقدر بـ(2.5) مليار دولار سنوياً من العملة الصعبة.
6- نهبت الولايات المتحدة الدول الأقل تطوراً, مما زاد في فقرها, على سبيل المثال "مرسوم النمو و الفرصة المتاحة لإفريقية" الذي وقّعه الرئيس جورج بوش الابن في اكتوبر 2001 ليتحول لقانون ضد الدول الإفريقية ونهب ثرواتها, ولم تسمح حكومة الولايات المتحدة للمنتجات الإفريقية بدخول أراضيها، إلا لتلك التي لن يكون لها تأثير سلبي على السوق الأمريكية.
7- عملت أمريكا بإصرار على تخفيض أسعار السلع في الدول النامية, فأقنعت الولايات المتحدة الدول الفقيرة بمكافحة التضخم لكن كيف؟ لمواجهة التضخم تقوم -وفق المنطق الأمريكي- إلى بزيادة صادراتها إلى الدول النامية لكن بأسعار رخيصة جداً لمنتجاتها بسبب كثرة المعروض وقلة الطلب, مثل ماحصل تجارة الشاي والبن؛ إذ أدت هذه العملية إلى انخفاض أسعارها، مما أدى بالشركات المتعددة الجنسيات إلى شرائها بسعر منخفض، وإعادة إنتاجها بأسعار مرتفعة مقارنة بسعرها من المصدر الرئيس.
يتبع >>>>>>>>>>>>>