الأثاث الأنيق والجميل الصنع في الأقطار الشرقية
كان امتلاك الأثاث الأنيق والجميل الصنع في الأقطار الشرقية وقفًا على ذوي الرتب العليا والمسؤولين والأثرياء، تمامًا كما كان في مصر وأوروبا. وقد أَنتج الحرفيون في الصين واليابان والهند أروع الأثاث الشرقي وأُُنْتِجَتْ أقدم روائع الأثاث الشرقي في الصين في القرن الثالث قبل الميلاد.
طاولة الطعام الصينية في القرن الخامس عشر كانت لها أرجل مقوسة تسمى كابريول. وكان ارتفاعها 30 سم.
كرسي نموذجي صيني من القرن السادس عشر كان له مسند أفقي مفرد هو مركز التكاء الخلفي.
الصين. عندما ظهرت أسرة هَان الحاكمة في الفترة ما بين 202ق.م. و220م، كان الصينيون قد ابتكروا عدة أساليب أو أنماط من الأثاث، كان أهمها الكانج الذي كان في شكل منصَّة يمكن أن يرقد عليها الشخص للراحة أو للنوم. وأعاد الصينيون ـ في تلك الفترة ـ وضع مجموعات متنوعة من الكراسي الصغيرة التي ليس لها مساند أو جوانب، إضافة إلى المناضد الصغيرة، حول الكانج.
وانقسم الأثاث الصيني فيما بعد إلى مجموعتين، هما الأثاث المنزلي الشائع، والأثاث المستخدم في قصور الملوك. وكان الأثاث المنزلي الصيني بسيطًا وعمليًا، أما أثاث القصور فكان أكبر وأثقل وأغنى زخرفة منه.
وهناك ميزة أخرى تميز كل الأثاث الصيني وهي المهارة التي ركّب بها الحرفيون الأجزاء بعضها مع بعض. فلم يستخدموا أي خوابير أو مسامير، وقليلاً ما كانوا يستخدمون الغراء. بل نحتوا أطراف الأجزاء بمهارة فائقة ودراية جعلت الأجزاء تتداخل وتتماسك بقوة.
وبدأ الصينيون مع بدايات القرن الخامس عشر في استخدام مناضد طعام قصيرة تحملها أرجل منحوتة برشاقة وهي ما تعرف الآن باسم الأرجل البرثنية (المنحوتة على شكل براثن حيوان). ولهذه الأرجل البرثنية تعرجات تشبه حرف (ى)، وتنتهي في أسفلها بزخرفة. ومع بدايات القرن الثامن عشر أصبح هذا التصميم من أهم مظاهر الأثاث الغربي، وأُعْطي الاسم الفرنسي كابْريول. وأشهر تصميم للكرسي الصيني هو ذلك النوع الذي له مسند طولي للظهر مكوَّن من قطعة خشبية هي مركز ظهر الكرسي.
خزانة خشبية يابانية من طراز بدايات القرن السابع عشر مصنوعة من خشب مدهون، وعلى الأبواب والأرفف تصميمات من شجيرات العنب.
اليابان. أثرت الأساليب المعمارية اليابانية في الأثاث وحددت أساليبه. وتكرار الزلازل في اليابان جعلهم يبنون منازل خفيفة ذات طابق واحد. واستخدم اليابانيون ـ في المنازل العادية والقصور على السواء ـ خزائن، وصناديق، ومناضد كتابة خفيفة الوزن، وتفادوا استخدام القطع الكبيرة الثقيلة. واعتاد اليابانيون على الجلوس والنوم على الحصير، ولهذا لم يستخدموا الكراسي أو الأسِرَّة. وكان أثاثهم بسيط الشكل غير أن زخارفه كانت جميلة وذات تصميمات تتميز بالثراء اللوني، وتمثل الزهور والحيوانات ومناظر من التراث الأدبي الياباني. وقد كان اليابانيون يدهنون الأثاث بالورنيش ليجعلوا سطحه مصقولاً لامعًا، مما أعطى الأثاث قيمة مميزة. وقد جَمَّل صانعو الأثاث الياباني أعمالهم ورصعوها بالمنسوجات الثمينة.
الهند. كانت الكراسي التي صُمِمت للنبلاء هي أول قطع ثمينة في الأثاث الهندي. وتطورت هذه العروش إلى منصات رباعية الأقدام يجلس عليها الشخص ثانيًا قدميه. وغالبية هذه العروش كان لها شكل الزهرة المتفتحة، وكان الشخص يجلس على وسادة ويستخدم وسائد أخرى لراحة ظهره. وقد كانت الأسِرَّة الهندية تغطى بوسائد أو حشايا غنية التنجيد.
عصر النهضة الأوروبية
هو تلك الفترة من تاريخ أوروبا التي استمرت من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر الميلادي على وجه التقريب. وأهم خصائص هذا العصر هو محاولة إحياء الثقافات القديمة كالإغريقية والرومانية. ولهذا كان للفن القديم أثر قوي على الأثاث الذي صُمم خلال عصر النهضة. فصمم الحرفيون الإيطاليون أول أثاث متميز في عصر النهضة، وقد جذبت أعمالهم انتباه كثير من الأقطار الأوروبية الأخرى خصوصًا فرنسا وإنجلترا وأسبانيا.
صندوق إيطالي من عصر النهضة الأوروبية اسمه الكاسَّون مصنوع من الخشب الجميل وعليه نقوش جميلة. كانت مثل هذه الصناديق أكثر أنواع الأثاث الإيطالي شعبية أثناء عصر النهضة الأوروبية.
إيطاليا. اشتهرت قصور النبلاء الإيطاليين في عصر النهضة بدواخلها المتْرفة التي احتوت على الأثاث الجميل، واللوحات الرائعة. وفي حقيقة الأمر كانت هذه القصور تحتوي على قطع قليلة من الأثاث إذا ما قيست بمستويات عصرنا الحاضر. وأجمل غرفة مؤثثة في القصر كانت هي الاستوديو أو المكتبة التي كان يحفظ فيها صاحبها الكتب والمخطوطات والمجوهرات والأوسمة (الميداليات) والقطع المنحوتة الصغيرة. وكانت هذه الأشياء توضع على أرفف داخل خزائن خشبية مزينة بزخارف جميلة.
واستمرت أهمية الصناديق بوصفها قطعًا من الأثاث كما كانت خلال العصور الوسطى. وفي أوائل القرن السادس عشر نُحتت أنماط الصناديق التي أُطلق عليها اسم الكاسُّون ، وكانت تذهَّب وتُصوّر عليها مناظر من التاريخ القديم أو الأساطير. وظهر نوع جديد من الصناديق واسمه كاسَّابَاكَا تطور من الكاسُّون، وللكاسَّاباكا متكأ خلفي وذراعان. وقد يتم استخدام كل من الأريكة والصندوق في آن واحد. وكانت الكريدنزا ـ وهي خزائن خشبية كبيرة كانت تسمى أيضًا سايدبورد ـ قطع أثاث شعبية في إيطاليا، وعمل الحرفيون على تزيينها بالأعمدة وغيرها من ملامح العمارة القديمة.
خزانة خشبية فرنسية من عصر النهضة الأوروبية مصممة بطراز هنري الثاني الذي كان شائعًا في أواسط القرن السادس عشر. وكان لهذه الخزائن جزء علوي صغير موضوع على قاعدة أكبر. وقد زين صانعو الأثاث هذه القطع بنقوش لأجسام آدمية ومناظر من الأساطير الإغريقية و الرومانية.
فرنسا. يمكن تقسيم الأثاث الفرنسي في عصر النهضة إلى أسلوبين مهمين يسميان: فرانسيس الأول، وهنري الثاني. ولقد نُسب كل أسلوب منهما إلى ملك، فقد حكم فرانسيس الأول من 1515-1547م، وحكم هنري الثاني من 1547-1559م.
كان الأثاث الفرنسي قبل عصر فرانسيس الأول يعكس الطراز القوطي الذي ساد في العصور الوسطى. وظهر نمط جديد بعد أن أحضر فرانسيس الأول أهم أعلام الفن الإيطالي إلى فرنسا لإعادة بناء الشاتو (القلعة) الملكي في مدينة فونتينبلو. وفي إعادة تصميم هذه القلعة أدخل الحرفيون الإيطاليون وحدات زخرفية وتصميمات أحدثت ثورة في الفن الفرنسي في تلك الفترة. وقد اشتملت هذه الوحدات الزخرفية على استخدام الأعمدة، والرؤوس البشرية المنحوتة المحاطة بحُليّ لولبية، وشملت الشرائط المنحوتة التي يطلق عليها اسم التطويق، والتي تشبه تجليد الكتب بالجلد المزيَّن، كما كانت تشمل مساحات مفرغة في الجدران (المشكاة أو الكوة).
استمر طراز أسلوب فرانسيس الأول في الأثاث ـ والمتأثر بالأسلوب الإيطالي ـ إلى أواسط القرن السادس عشر؛ إذ خلفه طراز هنري الثاني الذي كان أكثر تنوعًا وأقرب إلى أن يعرف بالأسلوب الفرنسي، واستمرت المنحوتات الإنسانية والحيوانية في أداء دورها الزخرفي المهم. وكانت الأعمدة والأقواس تستخدم دعامات للمناضد، غير أن الطراز الجديد أضفى على الأثاث مظهرًا أخف. فعلى سبيل المثال حسَّن الحرفيون الفرنسيون شكل الخزائن الخشبية بوضع جزء علوي على قاعدة أكبر.
أثاث إنجليزي من عصر النهضة الأوروبية مُصمت ومتين، كما يبدو في الصورة. وتبدو في الصورة غرفة استقبال رجل الدولة هاردويك، كما كانت تبدو في العقد الأخير من القرن السادس عشر. وبالغرفة أثاث ذو شكل إنجليزي جديد ومميز مكون من طاولة طعام اسمها طاولة السح وهي في مقدمة الصورة . ويمكن زيادة طول الطاولة بسحب نصفيها وإضافة الزيادات. والطاولة محمولة على نحوت لحيوانات أسطورية مُجنحة.
إنجلترا. تأثرت إنجلترا بالنهضة الإيطالية نظرًا لتشجيع الملك هنري الثامن الذي حكم إنجلترا ما بين عامي 1509 و1547م. وقد استدعى هنري الثامن بعض الفنانين المحترفين الإيطاليين ليعملوا في إنجلترا. وابتكر صانعو الأثاث البريطانيون أسلوبًا مزج بين الطراز الزخرفي الإيطالي والتصميمات الإنجليزية التقليدية فكان هذا الطراز هو الطراز الإنجليزي لعصر النهضة الأوروبية.
وظهر عدد من الأشكال المميزة للأثاث الإنجليزي إبان حكم الملكة إليزابيث الأولى التي حكمت إنجلترا من 1558م إلى 1603م. وكانت طاولات السَّحب أحد هذه الأشكال. وطاولات السحب هذه هي طاولات طعام مصنوعة من خشب البلوط أو السنديان على قسمين، يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر بالسحب. ويمكن زيادة طول الطاولة بإضافة جزء أو جزءين علويين يُطلق عليهما اسم أوراق أو صفقات بعد سحب كل جزء من الجزءين بعيدًا عن الآخر. وابتدع الإنجليز تصميمًا حديثًا سُمي بخزانة القصر (كورت كبورد) تحتوي على أرفف مفتوحة تعرض فيها الأطباق القيمة والأدوات الفضية. ولهذه الخزانة أرجل مزينة بوحدات زخرفية من العصور القديمة ومن عصر النهضة الإيطالية. ولعل أبرز قطع الأثاث الإنجليزي الذي صنع في عصر النهضة الأوروبية تأثيرًا هي الأسِرَّة التي اشتملت على منحوتات جميلة ومنسوجات غالية الثمن.
خزانة قابلة للتحريك اسمها الفارجوينو، وكانت هذه من اسهامات الحرفيين الأسبان. وللفارجوينُو باب يمكن أن يحول إلى مكتب. وهذا الفَارجُوينو الذي صنع في القرن السابع عشر تقريبًا موضوع على خزانة أخرى.
أسبانيا. كونت أسبانيا نمطها الخاص في عصر النهضة. وكان نمطًا متأثرًا وجامعًا لكل من الأنماط الأسبانية، والإيطالية والمغربية الإسلامية، أو طراز المُور. والمُور هم مسلمو شمالي إفريقيا الذين فتحوا أسبانيا في القرن الأول الهجري، الثامن الميلادي. وكان أثر المور في الأثاث الأسباني متمثلاً في تأكيد أسلوب التذهيب، وفي استخدام التصميمات الهندسية التي صُنعت من العاج والأخشاب المرصعة.
ومن أهم ما أسهم به حرفيو أسبانيا هو تصميم الخزائن الخشبية القابلة للتحريك والتي تسمى الفَارْجُوينو. وللفَارجُوينو هذا باب مركب بمفصل في طرفه الأسفل، وعندما يُفتح فإن الباب يُصبح في شكل طاولة للقراءة والكتابة. وله أيضًا أدراج متعددة صغيرة الحجم وخزانة خشبية في الوسط